محمد بن جرير الطبري
329
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " أولئك " ، - هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب في شأن محمد صلى الله عليه وسلم بالخسيس من الرِّشوة يُعطَوْنها ، فيحرِّفون لذلك آيات الله ويغيِّرون معانيها = " ما يأكلون في بطونهم " - بأكلهم ما أكلوا من الرُّشى على ذلك والجعالة ، ( 1 ) وما أخذوا عليه من الأجر = " إلا النار " - يعني : إلا ما يوردهم النار ويُصْليهموها ، كما قال تعالى ذكره : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) [ سورة النساء : 10 ] معناه : ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوردهم النار بأكلهم . فاستغنى بذكر " النار " وفهم السامعين معنى الكلام ، عن ذكر " ما يوردهم ، أو يدخلهم " . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : 2499 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " أولئك مَا يَأكلون في بُطونهم إلا النار " ، يقول : ما أخذوا عليه من الأجر . * * * فإن قال قائل : فهل يكون الأكل في غير البطن فيقال : " ما يأكلون في بطونهم " ؟ قيل : قد تقول العرب : " جُعت في غير بطني ، وشَبعتُ في غير بطني " ، فقيل : في بُطونهم لذلك ، كما يقال : " فعل فُلان هذا نفسُه " . وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع ، فيما مضى . ( 2 )
--> ( 1 ) الجعل ( بضم فسكون ) والجعالة ( مثلثة الجيم ) : أجر مشروط يجعل للقائل أو الفاعل شيئًا . ( 2 ) انظر ما سلف 2 : 272 ، وهذا الجزء 3 : 159 - 160 .